الذهبي
608
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
المعتمدُ الرسولَ ، وقتلَ من كان معه . فبلغ الأدفونش الخبر وهو متوجّهٌ لحصار قُرْطُبة ، فرجع إلى طُلَيْطُلَة لأخْذ آلات الحصار ، فأتى المشايخ والعلماء إلى أبي عبد الله محمد بن أدهم ، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين ، فاجتمع رأيهم أن يكتبوا إلى الأمير أبي يعقوب يوسف بن تاشَفين صاحب مرّاكش ، يستنجدونه ليُعدّي بجيوشه إلى الأندلس ، ويُنجد الإسلام . واجتمع القاضي بالمعتمد على الله ، وأعلمه بما جرى فقال : المصلحة ذلك . ثمّ إنّ ابن تاشَفين نزل سَبْتَة ، وأمر جيشه ، فعبروا إلى الجزيرة الخضراء ، ولمّا تكامل له جُنْدُه عبرَ هو في السّاقة . ثمّ إنّه اجتمع بالمعتمد . وقد عرض المعتمد عساكره . وأقبل المسلمون من كلّ النّواحي طَلَبًا للجهاد . وبلغ الأدفونشَ الخبرُ فخرج في أربعين ألف فارس ، وكتبَ إلى ابن تاشَفين يتهدّده ، فكتب ابن تاشَفين جوابه في ظهر كتابه : " الّذي يكون ستراه " . وردّه إليه . فلمّا عاينه وقرأه ارتاع لذلك ، وقال : هذا رجل قد عزم . ثمّ سارَ حزبُ الإسلام وحزبُ الصّليب والتقى الْجَمْعَان بالزّلّاقة من بلد بَطَلْيُوس ، فكانت مَلْحمةً كبرى ، وهزم الله الأدفونش ، بعد استئصال عسكره ، ولم يَسْلَم معه سوى نفرٍ يسير . وذلك في يوم الجمعة من رمضان سنة تسعٍ وسبعين . وأصاب المعتمدَ جراحاتٌ في وجهه وبدنه ، وشهدوا له بالشّجاعة ، وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا . وعاد ابن تاشَفين إلى بلاده . ثمّ إنّه في العام المقبل ، عدَّى إلى الأندلس ، وتلقّاه المعتمد ، وحاصرا بعض حصون الفرنج ، فلم يقدرا عليه ، فرحل ابن تاشَفين ، ومرَّ بغَرْناطة فأخرج إليه صاحبها عبد الله بن بُلُكِّين تقادُم سَنِيّه ، وتلقّاه ، فغدر به ابن تاشَفين ، ودخل بلدَه وقصره ، وأخذ منه ما لا يُحصى ، ثمّ رجع إلى مَرّاكش ، وقد أعجبه حَسْن الأندلس وبساتينها وبُناها ومطاعمها الّتي لا توجد بمَرّاكش ، فإنّها بلاد بربر وأجْلاف العُربان . وجعل خواصُّ ابن تاشَفين يُعظِّمون عنده الأندلس ، ويُحسِّنون له أخذها ، ويُغْرون قلبه على المعتمد بأشياء . وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكشيّ في " تاريخه " : غلبَ المعتمد على قُرْطُبة في سنة إحدى وسبعين ، فأخرج منها ابن عُكّاشة ، ثمّ رجع إلى إشبيلية ، واستخلف عليها ولده عبّادًا ، ولقّبه المأمون . وفي سنة تسعٍ وسبعين جاز